فلسطين المحتلّة، 23 أيلول/سبتمبر 2024 ها هو العدو الإسرائيلي يوسّع حربه العدوانية من قطاع غزة للضفة الغربية ومن ثمّ إلى لبنان، مروراً باليمن والعراق وسوريا، مستهدفاً اليوم مئات القرى والتجمّعات السكّانية والبلدات اللبنانية بعمليات قصفٍ عشوائي وحملة تدميرٍ وحشية، قادت حتى كتابة هذه السطور إلى استشهاد أكثر من 350 لبناني وإصابة مئات الجرحى جراء الغارات، بحسب وزارة الصحة اللبنانية. وقد استبقت إسرائيل ذلك بسلسلة من الجرائم النكراء التي تجاوزت فيها كل القوانين والأعراف الدولية، وحتى سيادة بعض الدول الأوروبية ودول المنطقة، في محاولاتٍ للدفع بالمنطقة إلى حرب واسعة مفتوحة وتطبيع إبادتها الجماعية بحق شعبنا الصامد والمناضل في قطاع غزة.
من المؤكد أنّّه ما كان لإسرائيل أن تتمادى في عدوانها الوحشي لولا التأييد والدعم والمشاركة الفعلية التي تلقتها من قبل الإدارة الأمريكية، وحليفاتها من المعسكر الاستعماري الغربي المعادي لشعوبنا، من الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي، إلى نزع الإنسانية عن شعبنا إلى شيطنة وتجريم المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال، وصولاً إلى ترهيب وقمع كل من يحتجّ على هذا العدوان، كما رأينا في قمع الاحتجاجات الطلابية والسلمية حول العالم، لا سيّما في الغرب الاستعماري.
كما أنّ تواطؤ أنظمة التطبيع والخيانة العربية الاستبدادية يلعب دوراً محورياً في إدامة الإبادة والعدوان، فلولاه لما استمر نظام الاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي بحربه الإبادية لما يقارب العام ولما تجرأ على شعبنا في الضفة والشعب اللبناني الشقيق بهذه الوحشية غير المسبوقة منذ عقود. فهذه الأنظمة، بعكس الشعوب العربية الشقيقة من المحيط إلى الخليج، لم تصمت على جرائم الإبادة في غزة وحسب، بل تواطأت كذلك مع النظام الإسرائيلي بأشكال عدة، أهمها تجنيد مواردها العسكرية للمساهمة في حمايته، وصولاً إلى تزويده بالأغذية من خلال الممر البري المشين بينما يفرض المجاعة على شعبنا في غزة!
كما يؤكد انفلات العدوان الهمجي الإسرائيلي على أن الدوافع الإجرامية والإصرار على انتهاك القوانين والأعراف الدولية واستسهال ارتكاب هذه الفظائع على مرأى ومسمع العالم بأسره، ليست ردّاً على أيّ فعل مقاوم، بل هي رغبات متأصّلة لدى العقلية والفكر الاستعماري-الاستيطاني الإسرائيلي الهادف إلى تصفية السكان الأصليين العرب الفلسطينيين. فقد مارست هذا الفكر العصابات الصهيونية خلال النكبة، وواصل جيش الاحتلال ممارسته على امتداد العقود الماضية، اعتمدت فيها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة فيها المذابح كأداة لضمان تحقيق أهدافها باستيطان الأرض وتطهير أهلها عرقياً.
بالانتقال من غزة إلى الضفة إلى لبنان، يؤكد العدو الإسرائيلي بأنّ دول وكيانات وشعوب المنطقة العربية هي جلّها في دائرة الاستهداف وضمن الأطماع الاستيطانية التوسعية لمشروعه الاستعماري، وهو ما يتجلّى بوضوح في ما تمّ الكشف عنه حول ما يخطط له بعض القادة الصهاينة لإعادة الاستيطان في قطاع غزة، وضمّ الضفة الغربية، أو تثبيت السيادة الإسرائيلية على الجولان العربي السوري المحتل، وحتى وصولاً إلى إعادة بروز أطماع للاستيطان في لبنان.
إنّ الصمت على جرائم العدو الإسرائيلي في كل بلد في المنطقة العربية ليس موقفاً محايداً، إنّما هو موقف متواطئ يشجع هذا العدوان ويدفعه إلى التمادي في الاعتداء على كل شعوب المنطقة. فإسرائيل التي تحتلّ أراضي ثلاث دولٍ عربية وتستبيح سيادة بقية دول المنطقة بدعم ومساندة الولايات المتحدة الأمريكية، لن تقبل إلا بأن تكون لها اليد الطولى في علاقاتها التطبيعية القائمة مع بعض الأنظمة العربية، وستواصل توسيع نفوذها وسيطرتها باعتبارها الوكيل الحصري للأمن الأمريكي للمنطقة. ولذلك، علينا مراكمة قوتنا الشعبية من أجل عزل هذا النظام و فرض عقوبات فورية عليه، بما يشمل الحظر العسكري.
تستدعي اللحظة أن تستنهض القوى الشعبية العربية كل طاقاتها وإمكانياتها، وأن تسارع في مساندة نضال شعبنا التحرّري وذلك من خلال:
● تكثيف الفعاليات الإسنادية لنضال شعبنا وأهلنا في فلسطين ولبنان بكل الطرق المتاحة عبر تصعيد الفعاليات الاحتجاجية والوقفات التضامنية والمسيرات التي تنادي بوقف العدوان، ورفع الحصار عن شعبنا دون قيدٍ أو شرط.
● تكثيف الضغط الشعبي على الحكومات العربية لتلتزم بالقرارات الدولية ومخرجات القمة العربية الإسلامية، والعمل على اجتراح سبل ضغط حقيقية تتناغم مع ما عبرت عنه جماهير المنطقة العربية الرافضة للتطبيع.
● وضع حدّ فوريّ لجميع أشكال التواطؤ مع الاحتلال العسكريّ الإسرائيليّ غير الشرعيّ، والإبادة الوحشيّة التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة، والسبب الجذري لكل هذا: نظام الاستعمار الاستيطانيّ والأبارتهايد الإسرائيليّ القائم منذ 76 عاماً.
● الضغط من أجل فرض عقوبات موجّهة ضد إسرائيل، بما في ذلك العقوبات الدبلوماسية والاقتصاديّة والماليّة، وتعليق عضويتها في الأمم المتحدة وتجريدها من امتيازاتها وحقوق عضويتها، كما حدث مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
● تصعيد وتكثيف حملات المقاطعة العضوية وسحب الاستثمارات وكذلك حملات المقاطعة العالمية لمنتجات الشركات المتواطئة (الإسرائيلية والدولية).
في الختام، إنّ الحق الذي تمسّكت به شعوبنا لأكثر من 76 عاماً يعلو على أقوى جيوش العالم. وعلى أنظمة التطبيع العربي، وتلك الطامحة بالانضمام لركبها، أن تستخلص دروساً من التاريخ وتسارع بالاستجابة لمطالب شعوبها التي تدعو لقطع جميع العلاقات مع النظام الإسرائيلي. فالشرعية الفعلية لا تُستمدّ إلّا من الشعوب، لا من الإدارة الأمريكية، ولا من نظام الاستعمار-الاستيطاني الإسرائيلي الآخذ في الأفول، ولا من القوى الإمبريالية المعادية لشعوبنا، التي لا تتّحد إلا للوقوف ضد شعوب العالم وتطلّعاتها للحرية والعدالة بأشكالها وتقرير المصير.