Palestinian woman with flag

اليوم العالمي للمرأة: المرأة الفلسطينية.. مقاومة لا تُقهر وإرادة لا تُكسر

في الثامن من آذار/مارس، وبينما يتجدد الحديث عالمياً عن حقوق النساء ومكانتهن ونضالاتهن من أجل الحرية والعدالة والمساواة، لا يمكن تناول واقع النساء الفلسطينيات بمعزلٍ عن مقاومتهن العنف الاستعماري والإبادة المستمرة ونضالهن من أجل التحرّر، جنباً إلى جنب مع نضالهنّ من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

منذ أكثر من مئة عام، والنساء الفلسطينيات في قلب النضال ضد نظام الاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي في مختلف الميادين، ما جعلهن في دائرة استهداف العدوّ المباشرة، وبتحريضٍ مباشر من قيادات المشروع الصهيوني الذي لطالما اعتبرهن أيضاً "تهديداً ديموغرافياً" لمشروعه الإحلالي على أرض فلسطين. فعلى سبيل المثال، حرّضت الوزيرة الإسرائيلية السابقة أييلِت شاكيد بشكل مباشر على النساء الفلسطينيات، خاصةً أمهات الشهداء، ووصفتهن بمن "يربين الأفاعي الصغيرة" داعيةً لاستهدافهن وقتلهن.

خلال حربه الإبادية على 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة المحتل والمحاصر، قتل العدوّ الإسرائيلي ما يزيد عن 28,000 امرأة وطفلة فلسطينية، وأصاب ما يزيد عن 78 ألف منهن، بحسب التقارير الأخيرة، حارماً عائلتين من أمهما كل ساعة. هذا بالإضافة إلى عدد غير معروف - يقدر بالآلاف - من النساء المفقودات تحت الأنقاض. كما ضاعف العدوّ الإسرائيلي عذابات نساء شعبنا بالتهجير القسري والنزوح وكذلك بالتجويع واستهداف كل مقوّمات الحياة كالقطاع الصحيّ وإيقاف عمل المستشفيات بالكامل. بينما  فقدت ما يزيد عن 13 ألف امرأة أزواجهن خلال الإبادة، وثُكلت أكثر من 17 ألف أم بفقدان أبنائها. 

كما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها الصادم الصادر في آذار/مارس 2025، إلى أن التدمير المنهجي الذي يقوم به العدو الإسرائيلي لمرافق الرعاية الصحية الخاصة بالصحة الإنجابية والجنسية، وحرمان السكان من الاحتياجات الإنسانية الأساسية، قد تسبّب في "إلحاق أذى ومعاناة جسدية ونفسية بـ[النساء والفتيات] الفلسطينيات، وسيكون لذلك آثار دائمة وطويلة الأمد على الصحة النفسية وعلى فرص الإنجاب والخصوبة الجسدية للفلسطينيين في غزة كمجموعة". وأضافت اللجنة أن هذه الأفعال "ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وتمثل تعمّد فرض ظروف معيشية يُقصد بها إحداث التدمير الجسدي للفلسطينيين كمجموعة، وهو أحد أصناف أفعال الإبادة الجماعية الواردة في نظام روما الأساسي واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية".  

لقد أجبر القصف الإسرائيلي عشرات النساء في غزة على وضع مواليدهن دون أي رعاية صحية أثناء الولادة أو بعدها لهن ولمواليدهن. كما أجبر الاحتلال الإسرائيلي الآلاف من النساء الحوامل على التنقل تحت خطر الموت المباشر على طريق النزوح المستمر، ومنهن من خسرن أطفالهن وأجنّتهن نتيجة هذه الظروف. وتضاعفت معاناة مئات الآلاف من النساء الفلسطينيات من الإصابة المباشرة بالقصف، والذي نتج عنه بتر في الأطراف وسبب إعاقات دائمة لأكثر من 2,000 امرأة وفتاة، وكذلك أخطار الإصابة بأمراض متعددة نتيجة منع العدوّ الإسرائيلي وصول المساعدات إلى قطاع غزّة، بما فيها المستلزمات الصحية الأساسية، وللظروف المعيشية الصعبة التي فرضتها حرب الإبادة ومن قبلها الحصار الممتدّ الذي يفرضه العدو الإسرائيلي لأكثر من 17 عاماً. 

وبينما يصعدّ العدوّ الإسرائيلي من مخططاته الوحشية للتطهير العرقي في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، بهدف تسريع عملية التهجير القسري والتطهير العرقي القائم منذ النكبة، يواصل شعبنا في كافة أماكن تواجده مواجهة الاعتداءات المتكررة من قوات الاحتلال أو مجموعات المستوطنين. وتواصل النساء الفلسطينيات مواجهة هذه الاعتداءات التي ترتبط بشكل مباشر بمحاولات التضييق على مصادر رزق أسرهن، تحديداً في المناطق التي تشكل فيها الأرض مصدر دخل أساسياً لهن ولأسرهن.

أما في السجون الإسرائيلية، فثمة معركة أخرى تخوضها الأسيرات الفلسطينيات تحت سياط سجاني العدوّ الإسرائيلي ووحشيتهم. حيث يعتقل الاحتلال عشرات النساء من الضفة الغربية، إضافة إلى اعتقاله أعداد مجهولة من النساء من غزة، تقدر بالعشرات في فترات متباعدة  خلال حرب الإبادة الجماعية، واللواتي يتعرضن لأبشع أنواع الاعتداء والتعذيب النفسي والجسدي. كما تقبع الأسيرات الفلسطينيات في زنازين العدوّ الإسرائيلي في ظروف قاسية، لم يكتفِ الاحتلال فيها بتعريضهنّ للقمع والانتهاكات اليومية، والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية الأساسية، والاحتياجات الصحية اليومية، بل يفرض عليهنّ أيضاً مواجهة الألم دون أي رعاية صحية. فعلى سبيل المثال، أجبر الاحتلال الأسيرة تهاني أبو سمحان على وضع مولودها دون أي رعاية صحية لها ولمولودها الأسير معها.  

كما يمتدّ عدوان وعنف العدوّ الإسرائيلي ليطال الكثير من الشرائح النسائية في المنطقة العربية وجنوب غرب آسيا، بفعل توسّع دائرة الاستهداف والأطماع الإسرائيلية ضد شعوب المنطقة ومقدّراتها، من لبنان إلى سوريا ومن اليمن إلى العراق وإيران، تواجه النساء في أنحاء المنطقة الكلفة الإنسانية للحروب المتكررة والتهجير، بينما يواصلن في الوقت ذاته حمل راية النضال من أجل التحرر والكرامة. ففي لبنان، على سبيل المثال، اضطرت آلاف النساء إلى تحمّل أعباء الحياة بعد فقدان أفراد من عائلاتهن، أو بعد تدمير منازلهن وإجبارهن على النزوح تحت خطر القصف والرصاص الإسرائيلي. 

في حربه العدوانية الإجرامية ضد الشعب الإيراني، يصعّد المحور الإسرائيلي-الأمريكي الإبادي من محاولته فرض نظام يهدّد الإنسانية جمعاء، يسوده مبدأ "القوة تصنع الحق". ينبغي النظر إلى الحرب على إيران في سياق الجهود اليائسة لإعادة تأهيل هذا النظام الاستيطاني الاستعماري-الاستيطاني الإسرائيلي بعد تصنيفه كأكثر الأنظمة المارقة في العالم وذلك بسبب الإبادة الجماعية التي يواصل اقترافها ضد شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة من قبل الغرب الاستعماري ، بقيادة الولايات المتحدة التي نصّب رئيسها نفسه إمبراطوراً على العالم.

إنّ المذبحة الأمريكية- الإسرائيلية التي أودت بحياة ما لا يقل عن 165 تلميذة إيرانية ومعلماتهنّ، والتي تجاهلتها أو زيّفت حقائقها وسائل الإعلام الغربية الداعمة والمبرّرة للإبادة الجماعية، إلى جانب ما يصاحب تغطيتها من عنصرية وتجريد من الإنسانية للشعب الإيراني، تكشف الأهداف الحقيقية لهذا العدوان. إذ يسعى العدو الإسرائيلي، بدعم من نظام ترامب، إلى تقسيم إيران وتدمير تماسك شعبها وصموده، كما هي أجندته في العراق ولبنان وسوريا والسودان، وغيرها من الدول التي استهدفها. وغالبًا ما تكون النساء طليعة المواجهة لتبعات هذا الدمار.

إن فلسطين قضية نسوية… وفاءً لعذابات وتضحيات المرأة الفلسطينية، لنواصل تصعيد الضغط ضد العدوّ الإسرائيلي والمتواطئين معه، وتكثيف المقاطعة الثقافية والأكاديمية، جنباً إلى جنب مع مناهضة التطبيع النسوي الذي يستغل نضال النساء الفلسطينيات ومعاناتهن لتلميع جرائم العدوّ الإسرائيلي وتطبيع العلاقات معه.