فلسطين المحتلّة 29 يونيو/حزيران 2026– تضمّ اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، أوسع تحالف في المجتمع المدني الفلسطيني وقيادة حركة المقاطعة (BDS) عالمياً، صوتها إلى الأصوات البرلمانية والقوى الوطنية اللبنانية العديدة الرافضة للاتفاق "الإطاري" الذي وقعته ممثلة السلطة اللبنانية مع ممثل نظام الإبادة الإسرائيلي في واشنطن برعاية أمريكية.
احتفل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بهذا الاتفاق كـ"إنجاز" كبير لحكومته الفاشية، إذ عطّل برأيه مفعول الضغط العالمي الذي بدأ يتشكّل بعد التفاهمات الأمريكية-الإيرانية في جنيف، والتي دعت لخروج القوات الإسرائيلية من لبنان وضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه، معلناً بغبطة أنه يضمن بقاء قوات الاحتلال في لبنان لحين إنهاء "تصفية" المقاومة اللبنانية.
إن هذا الاتفاق الخياني يفرطّ بسيادة لبنان ويشرعن بقاء الاحتلال الإسرائيلي على أرض لبنان، بينما يجرّم الحق المشروع بموجب القانون الدولي للشعب اللبناني في مقاومة الاحتلال الأجنبي. كما يرهن الاتفاق حق عودة أكثر من مليون لاجئ لبناني إلى قراهم وبلداتهم – التي هجّرهم منها ودمّر الكثير فيها الاحتلال الإسرائيلي – برضا الحكومة الإسرائيلية الفاشية عن "أداء" السلطة اللبنانية في قمع مقاومة الاحتلال، وهو بذلك يشكّل سابقة خطيرة في تاريخ الصراع العربي-الصهيوني. وكما أدانه رئيس البرلمان اللبناني، السيد نبيه برّي، فإن تفاهم واشنطن يعدّ "مؤامرة وفتنة"، ولا بدّ من توحيد الصف الوطني اللبناني بكل مكونّاته لدفنها.
فبالإضافة إلى تعارضه مع وثيقة الوفاق الوطني في اتفاقية الطائف ومبادرة السلام العربية في بيروت، على علّاتهما، يكرّس هذا الاتفاق الوصاية الإسرائيلية-الأمريكية المباشرة على الشأن اللبناني الداخلي، ويحوّل العدو الإسرائيلي إلى طرف يراقب أداء السلطة اللبنانية ويحدّد شروط ممارستها لسيادتها.
ليس هذا الاتفاق خطوة نحو "استعادة السيادة اللبنانية" كما يجري الترويج له، إنما يشكّل امتداداً لاتفاقيات العدو الإسرائيلي مع بعض الأنظمة العربية الاستبدادية، وهو خطوة في طريق تكريس الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على لبنان والمنطقة، ضمن مسار تصفية الحقوق الوطنية اللبنانية والفلسطينية. إن ترافق الإبادة الإسرائيلية الجماعية لشعبنا في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية، بما فيها القدس، مع العدوان الإسرائيلي الوحشي المستمر على شعوب المنطقة يؤكد أن هدفه هو فرض مشروع "إسرائيل الكبرى" الاستعماري التوسّعي، والذي يخطط لاقتطاع أجزاء من مصر والأردن والسعودية وسوريا والعراق، بالإضافة إلى ابتلاعه لفلسطين وأخصب أراضي لبنان.
في هذا السياق، لا يمكن أن يُقرأ إعلان واشنطن إلا بوصفه تفريطاً خطيراً بالسيادة اللبنانية والحقوق الوطنية للشعب اللبناني وخدمةً لمصالح العدو الإسرائيلي على حساب السيادة اللبنانية ومصالح الشعب اللبناني وحقوقه المشروعة، وعلى حساب دماء الآلاف من الشهداء والجرحى اللبنانيين. كما يتجاهل الاتفاق بصورة كاملة الحقوق الوطنية اللبنانية والفلسطينية، بما في ذلك حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الديار بموجب القانون الدولي.
تشير أحدث الأرقام الرسمية اللبنانية إلى أن العدوان الإسرائيلي الوحشي منذ بداية مارس/آذار 2026 قد أسفر عن استشهاد 4,246 لبنانياً (من ضمنهم عشرات عناصر الجيش اللبناني وعمال الإغاثة في الدولة اللبنانية)، وإصابة 12,190 آخرين، فيما تضرّر 17 مستشفى، وأُجبرت ثلاث مستشفيات على الإغلاق بفعل العدوان الإسرائيلي.
وبمضيّها قدماً في هذا الإطار التفاهمي، وما قد ينتج عنه من آليات للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، تعلن السلطات اللبنانية الحالية أنها باتت خاضعة تماماً وشريكة للاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكي في محاولة تقويض نضال شعوبنا لانتزاع حقوقها غير القابلة للتصرف. فالاحتلال الإسرائيلي باقٍ في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبقية أراضي الجنوب اللبناني التي لا يزال يحاول يائساً بسط سيطرته عليها بقوة الحديد والنار.
علاوةً على ذلك، وبالموافقة على التزامات لبنانية بوقف ما يُسمّى "الأعمال العدائية أو المناوئة" ضد إسرائيل في المحافل السياسية والقانونية الدولية، تقدّم السلطات اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي خدمة مجانية بتبرئته من جرائمه الإبادية وعدوانه المتواصل على لبنان، وتمنحه حصانةً سياسية وقانونية من الملاحقة والمحاسبة على جرائمه المستمرة – وفي مقدمتها الإبادة الجماعية في قطاع غزة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضد الشعب اللبناني – بما يشكّل طعنةً للجهود الدولية المتنامية الرامية إلى عزل هذا النظام الإبادي ومحاسبته وإنهاء إفلاته من العقاب. ويخشى المراقبون أن يتضمّن الملحق الأمني للاتفاق، وهو لم ينشر بعد، خيانة أعمق من قبل السلطة اللبنانية، مما قد يؤدي إلى إشعال نار الاحتراب الداخلي، كما يحذّر رئيس البرلمان نبيه بري.
كما يفتح الاتفاق الباب أمام تدخل أمريكي وإسرائيلي في البنى الاجتماعية والاقتصادية اللبنانية، بما يشمل فرض قيود على ملف إعادة الإعمار وعلى تمويل المؤسسات الاجتماعية والخيرية، ومنع أي أدوار إقليمية لا تنسجم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ومن خلال هذا الإعلان، يحاول المحور الإسرائيلي-الأمريكي الإبادي التستّر على فشله الذريع في تحقيق أي من أهدافه الاستعمارية المعلنة، سواء كانت سياسية أو عسكرية، على الرغم من تماديه في عدوانه الوحشي ضد شعوب المنطقة، والتي ما كان لأيّ منها أن يتواصل لولا تواطؤ أنظمة التطبيع والخيانة العربية الاستبداية.
إن الخضوع للوصاية الأمريكية والتواطؤ مع العدو الإسرائيلي والتفريط بالسيادة اللبنانية وحقوق الشعب اللبناني لا يمكن أن يشكل أساساً لاستقرار حقيقي أو سلام عادل، بل يمثل مقدمة لإعادة انتشار الاحتلال الإسرائيلي وتكريس نفوذه داخل لبنان، ويهدّد بإدخال البلاد في أزمة سياسية ووطنية عميقة. ولقد كشفت لنا تجربة اتفاق أوسلو، بما رافقها من شعارات وصفت بالسلام وأثبتت زيفها، أن مخططات التهجير والاقتلاع والتطهير العرقي لم تتوقف، بل ازدادت اتساعاً وتعمقاً، وأن الاحتلال الإسرائيلي كان أول من نسف تلك الاتفاقيات عملياً وأجهز على ما تبقى منها. كما أن توسّع الاحتلال الإسرائيلي في سوريا وتنكيله بشعبها الشقيق، بعد تدميره مقدّرات الجيش السوري، يثبت أن العدوان والاستعمار هما السبب الجذري للاضطهاد وبالتالي للمقاومة، لا نتيجة للأخيرة.
نعيد التشديد على جهود جماهيرنا في منطقتنا العربية في رفض الاتفاقيات الخيانيّة الشبيهة والعمل على إسقاطها، كما نُذكّر بنجاح القوى الوطنية اللبنانية في إسقاط اتفاقية 17 أيار 1983 المشينة مع العدوّ الإسرائيلي، وغيرها من محاولات التسوية الخيانيّة.
وعلى أنظمة التطبيع العربي، وتلك الطامحة بالانضمام لركبها، أن تعي بأنّ الشرعية الفعلية لا تؤخذ إلّا من الشعوب، لا من الإدارة الأمريكية، ولا من نظام الاستعمار-الاستيطاني الإسرائيلي الآخذ في الأفول، ولا من القوى الإمبريالية المعادية لشعوبنا، التي لا تتّحد إلا للوقوف ضد شعوب العالم وتطلّعاتها للحرية والعدالة بأشكالها وتقرير المصير.
تدعو اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل جميع القوى الشعبية والوطنية والمدنية في لبنان والمنطقة العربية إلى رفض هذا الاتفاق التفريطي ومقاومته بكل الوسائل الشعبية والسلمية، وإلى تصعيد حملات المقاطعة الشاملة للاحتلال الإسرائيلي ومؤسساته المتواطئة معه، وإلى التمسك بالحقوق الوطنية اللبنانية والفلسطينية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة، وإنهاء الاحتلال، وتحرير جميع الأراضي العربية المحتلة.
عاش نضال أمّتنا من أجل الحرية والعدالة والكرامة، والعار لكلّ خائن