اليوم، تكمل حرب الإبادة الجماعية التي يقترفها العدو الإسرائيلي، بدعمٍ وتواطؤ من المعسكر الغربيّ بقيادة الولايات المتحدة، ضد 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة المحتلّ والمحاصَر عامها الثاني، صعّد خلالها العدوّ جرائمه المروعة التي لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلًا. تجاوزت حصيلة الشهداء 67 ألف شهيد، بحسب المصادر الرسمية، وما يزيد عن 169 ألف جريح وآلاف المفقودين. يجري ذلك جنباً إلى جنب مع توسيع العدوان الوحشي ضد مخيمات اللجوء ومواصلة تنفيذ خطط التطهير العرقي والاعتداءات والتنكيل والإعدامات الميدانية ضد شعبنا في الضفة الغربية وضد أسرانا وأسيراتنا البواسل في السجون، وكذلك تصعيد عدوانه ضد شعوب المنطقة وسيادة بلدانها، من لبنان إلى سوريا، مروراً باليمن والعراق، وصولاً إلى إيران وتونس وقطر.
ولعقود طويلة، لم يكن بإمكان العدوّ الإسرائيلي أن يفلت من العقاب على مجازره المتواصلة التي بدأت منذ مئة عام، وتكثّفت في عام 1948، وأخذت الان شكلاً أوسع وأكثر وحشية "لإنهاء مهمة" التطهير العرقي وإبادة الشعب الفلسطيني الأصلاني، ولما تجرأ على شعبنا وشعوب المنطقة بهذه الهمجية لولا الدعم والمشاركة المباشرة من الإدارة الأمريكية وحليفاتها من المعسكر الاستعماري الغربي، ولولا تواطؤ أنظمة التطبيع والخيانة العربية الاستبدادية التي ساهمت بشكل مباشر في إدامة الإبادة والعدوان.
ليس إنهاء التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعيّة وجرائم النظام الاستعماري الإسرائيلي اليوم مسؤوليةً أخلاقيةً فقط بل أصبحت واجبًا قانونيًا كذلك. فكل دولة تمكّن الفظائع الإسرائيلية بالسلاح أو تموّلها أو تبررها وتسوّغها، وكلّ شركة أو مؤسسة أو وسيلة إعلامية أو صندوق استثماري يواصل عمله كالمعتاد مع إسرائيل أو مع المؤسسات التي تتواطأ معها هو في عداد المتواطئين والمشاركين في جرائمها.
إن نظام الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي آخذ في الأفول على كافة المستويات، وعلينا كبح قدرته على مواصلة حربه الإباديّة، بما يسهم في إسناد شعبنا ونضاله التحرّري الباسل وتعزيز قدرته على الصمود ومقاومة الاضطهاد. ندعو الشعوب الشقيقة في المنطقة العربيّة إلى تصعيد الضغط لا على الشركات والمؤسسات المتواطئة فقط، بل أيضاً على أنظمة التطبيع والاستبداد التي سهلت للعدو هذه الاعتداءات وجعلت منطقتنا العربية لقمة سائغة أمامه في ذات الوقت التي تنهب فيه وتُبدّد ثروات شعوبها المقهورة وتحرمها من العدالة بأشكالها. كما ندعوها إلى تكثيف الإسناد حتى وقف العدوان على شعبنا في قطاع غزة وكسر الحصار عنه، لا نصرةً لشعبنا فحسب إنما أيضاً نصرةً لنضالاتها من أجل العدالة والحريات والتحرر من التبعية الاقتصادية.
ورغم أننا نمر في المرحلة الأكثر فظاعة من الإبادة الجماعية، مرحلة التجويع الممنهج، فإننا لم نكن قطّ أقرب مما نحن عليه الآن من عزل نظام الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي وفرض نظام عقوبات شامل وفعّال عليه، كما اعترف مؤخراً رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطابه الشهير عن ضرورة تحوّل إسرائيل إلى "سوبر إسبرطة" معزولة عن العالم. فالأغلبية في العالم تتجه نحو عزل غير رسمي لإسرائيل من الأسفل، وهو ما لا يقل تأثيرًا عن العزل الرسمي الذي بدأ بالفعل أيضًا.
فيما يلي نقترح بعض الإجراءات والأنشطة والاحتجاجات الشعبية السلمية لتوجيه غضبنا وحزننا، اللذين لا يحدّهما حدّ، وتحويلهما إلى طاقة بنّاءة من شأنها بناء القوة الشعبية وترجمة المشاعر إلى أفعال مادية ملموسة تترك أثراً في معادلة الصراع:
- صعّدوا التحرّكات الاحتجاجية والفعاليات التي تنادي بوقف العدوان وفتح كل المعابر وإدخال المساعدات الطارئة لقطاع غزة كله بشكل فوري بما يشمل الوقود والكهرباء، ورفع الحصار عن شعبنا دون قيدٍ أو شرط. أيضاً، وكلُّ حسب سياقه، حيثما وكيفما أمكن، تنظيم الوقفات والاحتجاجات أمام السفارات الأمريكية والبريطانية والألمانية ومثيلاتها من بعثات الدول الشريكة في الإبادة (والإسرائيلية إن وجدت)، أو أمام مقرّات الشركات أو المؤسسات المتواطئة في دعم إبادة الشعب الفلسطيني. يمكن أيضاً نصب المخيمات الطلابية لتصعيد الضغط على الجامعات سواءً لسحب استثماراتها أو إنهاء تواطؤها الأكاديمي -إن وجد-، وصولًا إلى احتلال المباني الحكومية، وتعطيل عمل المؤسسات المتواطئة، مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ووسائل الإعلام التي تيسّر اقتراف الإبادة الجماعية («وول ستريت جورنال» و«نيويورك تايمز» وهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وغيرها)، والنقابات ونشطاء المجتمع المحلي الذين يعترضون طريق شركات الأسلحة، والخروج من المدارس، وغير ذلك.
- أجبروا الشركات على وقف التواطؤ! صعّدوا الضغط عن طريق حملات المقاطعة الشعبية، والضغط من أجل سحب الاستثمارات، وبناء الائتلافات الواسعة التي تضمّ قطاعاتٍ متعددة، بما فيها النقابات الكبرى، وإقامة الدعاوى القضائية الاستراتيجية، وتفعيل التحرّكات في أوساط المساهمين وغيرها من الإجراءات. في وسع النشطاء والحلفاء إجبار الشركات العملاقة، مثل "إنتل" و"شيفرون" و"أمازون" و"غوغل" و"إتش بي" و"كاتربيلر"، و"إتش دي هيونداي" و"كارفور" و"ماكدونالدز و"فانوك" و"سيمنز" و"ريبوك" و"أكسا" وغيرها، على وقف تواطؤها أو إنهائه كليًا. وقد فعلنا ذلك ... مرارًا وتكرارًا!
- مناهضة التطبيع بكل أشكاله وإنهاء التواطؤ الثقافي! اجمعوا التعهدات ونظموا حملات المقاطعة والتحرّكات الجماعية مع الفنانين والموسيقيين وصانعي الأفلام والكُتّاب، ومن المؤسسات الفنية والنقابات، من أجل عزل القطاع الثقافي الذي يتواطأ مع النظام الاستعماري والإبادي الإسرائيلي. حان الوقت لتجاوز الشعارات إلى بناء قوة ثقافية حقيقية تتصدّى للرقابة والمحو الاستعماري العنصري، وشيطنة الفلسطيني، والخطاب التطبيعي الاستسلامي أو التفريطي، وغيره مما يمكّن إسرائيل من ارتكاب الإبادة الجماعية الحية، حسبما قال صانعو الأفلام الفلسطينيون مؤخرًا.
- تصعيد الضغط على الحكومات ومراكز القرار لوقف التواطؤ وفرض العقوبات: نظِّموا ائتلافات واسعة من قطاعات متعدّدة وشكِّلوا مجموعة للضغط / التأثير في السياسات لممارسة الضغط على أعضاء البرلمانات والدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين من أجل احترام القانون الدولي ووقف جميع العلاقات العلنية و"السرية" مع إسرائيل، سواءَ كانت تجارية أم عسكرية-أمنية أم علمية أم مالية أم ثقافية أم غيرها، والتي قد تشكل تواطؤًا في جرائم الحرب (بما فيها المستعمرات)، والجرائم ضدّ الإنسانية (بما فيها جريمة الأبارتهايد) والإبادة الجماعية. ويشمل هذا الضغط من أجل إغلاق سفارات العدو، وإنهاء جميع الاتفاقيات التطبيعية والتحالفات العسكرية-الأمنية التي أبرمتها بعض الأنظمة العربية الديكتاتورية مع إسرائيل- وعلى رأسها التجارة العسكرية معه. كما يشمل رفع العرائض التي ترمي إلى إنهاء العلاقات غير القانونية والقائمة على التواطؤ، فضلاً عن دراسة رفع الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضد المسؤولين الحكوميين المتواطئين.
يمكنكم متابعة المزيد من التوجيهات والمطالب السياساتية التي يقدّمها المجتمع المدني الفلسطيني من خلال هذا الرابط. ولكن، علينا أن نتذكّر بأنّ أعظم مساعينا الأخلاقية في سبيل التأثير في السياسات لا يمكن أن تؤدي إلى تغيير سياسي فعلي دون قوة شعبية يمكن الاعتماد عليها، ،يمكنها أن تستمرّ وتتوسّع وتتنامى! - اعترِضوا سفن الإبادة! سواءً كنتم مجموعةً من النشطاء أو أعضاء في النقابات أو ساسة يحرّكهم ضميرهم الحي، اتخِذوا الإجراءات لإيقاف السفن والشحنات العسكرية المتوجهة لدولة الاحتلال عن طريق الاحتجاجات أو الاعتصامات أو ممارسة الضغط على الحكومات أو إتخاذ الإجراءات القانونية أو التدابير «البيروقراطية» أو تكثيف الحملات الإعلامية. فقد منعت ماليزيا جميع البواخر الإسرائيلية أو تلك المتوجهة إلى موانئ العدو الإسرائيلي من الرسوّ في موانئها، كما منعت كولومبيا صادرات الفحم إلى إسرائيل، وسحبت الدولة الإسبانية وناميبيا حقوق الرسوّ التي كانت ممنوحة للبواخر المتواطئة، بينما نظّم عمال الموانئ في الهند وبلجيكا وإيطاليا وكتالونيا وفي أماكن أخرى احتجاجات مؤثرة لمنع السفن المتواطئة، ورفعت الفرق القانونية الدعاوى أمام المحاكم. كما دعا النشطاء في قبرص واليونان وإيطاليا والمغرب إلى منع السفن من نقل الأسلحة إلى إسرائيل.
- لا تكنولوجيا لنظام الإبادة الجماعية أو الأبارتهايد! إلى العاملين في قطاع التكنولوجيا: شكِّلوا تنظيمًا من داخل قطاع التكنولوجيا لبناء القوة اللازمة لإنهاء تواطؤ الشركات، مثل "أمازون" و"غوغل" و"مايكروسوفت"، التي تضطلع بدور مباشر في تيسير الإبادة الجماعية التي تقترفها إسرائيل وأتمتة نظامها القائم على الأبارتهايد في أساسه. كما ينظّم النشطاء حملات لمقاطعة شركة «إتش بي» على المستوى الشعبي، من خلال ممارسة الضغط على أماكن عملهم وجامعاتهم لإلغاء العقود التي تبرمها مع الشركات التي تستهدفها حركة مقاطعة إسرائيل(BDS). وينظّم النشطاء في مجالس البلديات والنقابات والمؤسسات الحملات التي ترمي إلى سحب الاستثمارات من شركات التكنولوجيا، بما فيها "إنتل" و"بالانتير" و"سيسكو"، ويدعو المساهمين إلى إجراء تحقيق في المخاطر الأمنية والمالية المترتبة على الاستثمار في منطقة تشهد «نزاعًا مسلحًا».
- مناطق خالية من الاستعمار والأبارتهايد والتطبيع! أعلِنوا عن مساحات عملكم، وشركات الأعمال والمراكز المجتمعية والثقافية والنقابات والنوادي الرياضية وغيرها مناطق خالية من الاستعمار والأبارتهايد والتطبيع. يمكنكم الاستفادة من دليل التنظيم والأدوات اللذين صدرا مؤخرًا بشأن هذه الحملة، واللذين تم العمل عليهما استلهاماً من المئات من المناطق والمجتمعات الخالية من الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي في شتى أرجاء العالم، من إيطاليا إلى جنوب أفريقيا، ومن المكسيك إلى الولايات المتحدة واليابان. ومن جملة الأمثلة عليها كان إعلان مدينة بليم (البرازيل) عن نفسها بوصفها خالية من الأبارتهايد الإسرائيلي، كما علّقت مدينتا لياج (بلجيكا) وبرشلونة (كتالونيا، إسبانيا) جميع العلاقات المؤسساتية مع النظام الإسرائيلي بسبب انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطينية.
- ادفعوا بلدياتكم أو مؤسساتكم أو نقاباتكم إلى رفع مستوى التزامها الأخلاقي! نظِّموا الحملات الاستراتيجية والحملات التي تجمع قطاعات متعددة لممارسة الضغط على الصناديق الاستثمارية/التقاعدية والمؤسسات (مجالس البلديات، والجامعات، والمستشفيات والمؤسسات الثقافية والنقابات وغيرها) من أجل تبنّي سياسات أخلاقية في المشتريات، وسياسات استثمارية أخلاقية عند الاقتضاء، بحيث تستبعد الشركات المتواطئة في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في أي مكان. بعدها، يمكن تطبيق هذه المبادئ التوجيهية من أجل استبعاد الشركات الضالعة في الاستعمار الاستيطاني والإبادة الجماعية والأبارتهايد والاحتلال العسكري الإسرائيلي تحديداً.