مع دخول الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد شعبنا في قطاع غزّة المحتل والمحاصر عامها الرابع، وبينما تتوشح شاشات العالم ومؤسساته الإنسانية والطبية باللون الوردي احتفاءً بحملة "أكتوبر الوردي" التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية كحملة سنوية تهدف إلى التوعية بضرورة الكشف المبكر وعلاج سرطان الثدي للنساء، يواصل العدوّ الإسرائيلي قتل وجرح وتشريد وتجويع وأسْر عدد هائل من النساء الفلسطينيات، بالذات في قطاع غزّة. وبينما يفترض أن يكون هذا الشهر فسحة للأمل والنجاة لنساء العالم، فإنه يتحول في فلسطين بفعل النظام الاستعماري الإسرائيلي إلى شهر إضافي من الشهور النازفة للنساء الفلسطينيات وسائر شعبنا الفلسطينيّ.
منذ ما يقارب المئة عام، والنساء الفلسطينيات في قلب النضال ضد نظام الاستعمار-الاستيطاني والأبرتهايد الإسرائيلي في مختلف الميادين، ما جعلهن في دائرة استهداف العدوّ المباشرة، وبتحريض مباشر من قيادات المشروع الصهيوني الذي لطالما اعتبرهن أيضاً "تهديداً ديموغرافياً" لمشروعه الإحلالي على أرض فلسطين. فعلى سبيل المثال، حرّضت الوزيرة الإسرائيلية السابقة "ايليت شاكيد" بشكل مباشر على النساء الفلسطينيات، خاصةً أمهات الشهداء، ووصفتهن بمن "يربين الأفاعي الصغيرة" داعمةً استهدافهن وقتلهن.
يمر شهر أكتوبر هذا العام أيضاً متوشحاً باللون الأسود عوضاً عن اللون الوردي على النساء الفلسطينيات، في خيام النازحات المكلومات من الألم والفقد في قطاع غزّة، وفي السجون الإسرائيلية، حيث يفرض الاحتلال واقعاً أكثر تعقيداً على النساء ككل، والمصابات بمرض السرطان بشكل خاص. تعاني النساء في قطاع غزّة اليوم من الحرمان التام من العلاج الإشعاعي، وصعوبة الوصول للعلاج الكيماوي والأدوية الأخرى لمرض السرطان، هذا بينما يواصل الاحتلال منع النساء من السفر لتلقي العلاج غير المتوفر في غزّة. ومع استهداف العدوّ الإسرائيلي للمنظومة الصحية في قطاع غزّة من مستشفيات ومراكز طبية، تحرّم الآلآف من النساء من الوصول إلى الخدمات الطبية وبرامج الفحص المبكر التي تسهم في الكشف عن أي إصابة بسرطان الثدي، أو أي أمراض أخرى.
لثلاثة أعوام متواصلة من الإبادة الجماعية في غزة، قتل العدوّ الإسرائيلي بالمعدّل إمرأة واحدة كل ساعة بالقصف المباشر، عدا عن النساء الأخريات اللواتي استشهدن بفعل جرائم الحصار والتجويع والإصابات والحرمان من الوصول إلى الخدمات الطبية، لتقدّر أعداد الشهيدات الفلسطينيات بما يزيد ع يزيد عن 28,000 امرأة وطفلة فلسطينية، بالإضافة إلى عدد غير معروف، يقدّر بالآلآف، من النساء المفقودات تحت الأنقاض. كما ضاعف العدوّ الإسرائيلي عذابات نساء شعبنا بالتهجير القسري وكذلك بالتجويع واستهداف كل مقوّمات الحياة كالقطاع الصحيّ وإيقاف عمل المستشفيات بالكامل، ضمن سلسلة لامتناهية من الجرائم التي يقترفها ضد 2.3 مليون فلسطيني من شعبنا في قطاع غزّة المحتل والمحاصر.
وقد أجبرت العشرات من النساء الفلسطينيات يومياً على وضع مواليدهن تحت القصف وأصوات الرصاص دون أي رعاية طبية وصحية أثناء الولادة أو بعدها لهن ولمواليدهن. كما أجبر الاحتلال الإسرائيلي الآلاف من النساء الحوامل على التنقل تحت خطر الموت المباشر على طريق النزوح المستمر، ومنهن من خسرن أطفالهن وأجنتهن نتيجة هذه الظروف. وتضاعفت معاناة مئات الآلاف من النساء الفلسطينيات من الإصابة المباشرة بالقصف، وكذلك أخطار الإصابة بأمراض متعددة نتيجة منع العدوّ الإسرائيلي وصول المساعدات التي تحوي مستلزمات صحية أساسية إلى قطاع غزّة، وللظروف المعيشية الصعبة التي فرضتها الإبادة ومن قبلها الحصار الممتدّ الذي يفرضه العدو الإسرائيلي لأكثر من 18 عاماً.
أما في السجون الإسرائيلية، فثمة معركة أخرى تخوضها الأسيرات الفلسطينيات تحت سياط سجاني العدوّ الإسرائيلي ووحشيتهم. تقبع الأسيرات من كل فلسطين في زنازين العدوّ الإسرائيلي في ظروف قهرية، لم يكتفِ الاحتلال فيها بتعريضهنّ للقمع والانتهاكات اليومية، والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية الأساسية، والاحتياجات الصحية اليومية، بل يفرض عليهنّ أيضاً مواجهة الألم دون أي رعاية صحية. وفي الضفة الغربية المحتلّة، بينما تتواصل اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي وميليشات مستوطنيه، تتصاعد المخاطر الصحية على النساء من الإغلاقات والحواجز وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية في كثير من الحالات، إلى جانب مواصلة العدوّ الإسرائيلي فرض حصار اقتصادي خانق يحدّ من وصول الأدوية للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، بما فيها السرطان.
بفعل توسّع دائرة الاستهداف والأطماع الإسرائيلية ضد شعوب المنطقة، يمتد عدوان وعنف العدوّ الإسرائيلي ليطال الكثير من الشرائح النسائية في المنطقة، من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن وإيران.
ففي لبنان مثلاً، ضاعف العدوّ الإسرائيلي معاناة مريضات ومرضى السرطان بعد إجبارهن على النزوح بفعل العدوان، ما يعني انقطاعهن عن جلسات العلاج وتأجيل المراجعات الطبية اللازمة، كما خرجت 15% من المستشفيات التي كانت تقدم علاجات السرطان عن الخدمة بفعل القصف الإسرائيلي، و25٪ من الصيدليات التي كانت تقدم الرعاية الطبية الخاصة بمرضى السرطان. وأجبر القصف الإسرائيلي أكثر من 13 ألف امرأة حامل على النزوح في ظروف صعبة وقاسية، ومنهنّ من دخلن مرحلة المخاض دون وجود رعاية طبية أو مراكز مخصصة، بالإضافة إلى مئات النساء الحوامل اللواتي لم يستطعن النزوح إلى أماكن آمنة وبقين عالقات دون رعاية طبية، نتيجة استهداف العدوّ الإسرائيلي للمراكز الصحية والمستشفيات، ومنها التي تقدم خدمات صحة الأمومة، والخدمات الصحية النسائية.
في شهر أكتوبر الذي يفترض أن يكون شهراً للتوعية ومساندة النساء، نحيي النساء الفلسطينيات اللواتي قاومن، منذ بداية الصراع، نظام الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي، الذي لا يتوانى عن استهداف أجسادهن ومعاناتهن وتوظيفها كسلاح في حربه على شعبنا الفلسطيني، ونساء المنطقة اللواتي يواصلن حمل راية النضال من أجل التحرر والكرامة
إن فلسطين قضية نسوية… وفاءً لعذابات وتضحيات المرأة الفلسطينية والعربية، لنواصل تصعيد الضغط ضد العدوّ الإسرائيلي والمتواطئين معه، منها الجمعيات الطبية الإسرائيلية، وإلى تكثيف المقاطعة الثقافية والأكاديمية، جنباً إلى جنب مع مناهضة التطبيع النسوي الذي يستغل نضال النساء ومعاناتهن لتلميع جرائم العدوّ الإسرائيلي وتطبيع العلاقات معه.